أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
42
العقد الفريد
المسدود وزنين ودبيس أبو جعفر البغدادي قال : حدثني عبد اللّه بن محمد كاتب بغا عن أبي عكرمة قال : خرجت يوما إلى المسجد الجامع ومعي قرطاس لأكتب فيه بعض ما أستفيده من العلماء ، فمررت بباب أبي عيسى بن المتوكل فإذا ببابه المسدود ، وكان من احذق الناس بالغناء ، فقال : أين تريد يا أبا عكرمة ؟ قلت إلى المسجد الجامع ، لعلي أستفيد فيه حكمة أكتبها . فقال : أدخل بنا على أبي عيسى . قال : فقلت : مثل أبي عيسى في قدره وجلالته يدخل عليه بغير إذن ! قال : فقال للحاجب : اعلم الأمير بمكان أبي عكرمة . قال : فما لبث إلا ساعة حتى خرج الغلمان يحملوني حملا ؛ فدخلت إلى دار لا واللّه ما رأيت أحسن منها بناء ، ولا اظرف فرشا ، ولا صباحة وجوه ؛ فحين دخلنا نظرت إلى أبي عيسى ، فلما أبصرني قال لي : ما يعيش من يحتشم ! اجلس ، فجلست ، فقال : ما هذا القرطاس بيدك ؟ قلت : يا سيدي حملته لاستفيد فيه شيئا ، وأرجو أن أدرك حاجتي في هذا المجلس . فمكثنا حينا ، ثم أتينا بطعام ما رأيت أكثر منه ولا أحسن ، فأكلنا ؛ وحانت مني التفاتة ، فإذا أنا بزنين ودبيس ؛ وهما من أحذق الناس بالغناء ، قال : فقلت : هذا مجلس قد جمع اللّه فيه كلّ شيء مليح . قال : ورفع الطعام وجيء بالشراب ؛ وقامت جارية تسقينا شرابا ما رأيت أحسن منه ، في كل كأس لا أقدر على وصفها ؛ فقلت : أعزك اللّه ، ما أشبه بقول إبراهيم بن المهدي يصف جارية بيدها خمر : حمراء صافية في جوف صافية * يسعى بها نحونا خود من الحور « 1 » حسناء تحمل حسناوين في يدها * صاف من الرّاح في صافي القوارير « 2 » وقد جلس المسدود وزنين ودبيس ، ولم يكن في ذلك الزمان أحذق من هؤلاء الثلاثة بالغناء ؛ فابتدأ المسدود فغنّى : لما استقلّ بأرداف تجاذبه * واخضرّ فوق حجاب الدرّ شاربه « 3 »
--> ( 1 ) الخود : الشابة الناعمة الحسنة الخلق . ( 2 ) الراح : الخمر . ( 3 ) الردف : العجر والكفل ومؤخر كل شيء .